أزمة أخلاق تعصف بالتيار الإسلامي في مصر


كانت ثورة يناير 2011 في مصر حالة تاريخية استثنائية ، نفضت أحشاء البلد بكل مكوناته ، وجعلت عاليها سافلها وكانت مثل عملية حرث الأرض ، مما جعلها تتأهب لاستقبال غرس جديد وميلاد جديد ، قبل أن يتنازع أصحابها وتذهب ريحهم وتستجمع قوى الماضي سطوتها وتثأر من كل ما له صلة بثورة يناير من جميع التيارات .
حالة التقليب هذه أصابت ، فيما أصابت ، التيار الإسلامي ، وهو الأكثر شعبية في مصر ، ونزعت عنه ، فيما نزعت ، هيبة كبيرة كانت تجلله دائما ، على المستوى الديني والأخلاقي والسلوكي ، على مستوى التطهر الفردي والجماعي ، وكان هذا من أهم مصادر قوة التيار الإسلامي ، في الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيره ، غير أن اندفاعهم أجمعين في العمل السياسي الذي فتح أبوابه على مصاريعها بعد ثورة يناير ، منح "شمس الحقيقة" فرصة كاملة أن تركز أشعتها على بنية التيار الإسلامي ، مع عنفوان الحراك الشعبي الذي واكب الثورة وما أعقبها من أحداث جسام ، كل ذلك ، رفع الغطاء عن الجميع ، وكشف عن "سوءات" التيارات المختلفة ، بمن فيهم التيار الإسلامي ، وظهرت الفراغات في الفكر والوعي والأخلاق والسلوك ، على المستوى الفردي كما على المستوى الجماعي .
لم يكن أحد يتصور أن يسمع أو يقرأ لنشطاء من التيار السلفي شديد المحافظة ، ألفاظا متدنية من سوء الكلام وفاحش السباب ، تجاه المختلف معهم في الموقف السياسي ، أو من يقدمون نقدا لاختياراتهم السياسية ، نوعية الشتائم ومستوى الإسفاف في الكلام صادم للغاية ، ولم يسبق له مثيل في الحالة السلفية ، كانوا يتراشقون قديما في الخلاف "الديني غالبا" بمصطلحات تراثية شهيرة ، جهول ، مبتدع ، منكر القول ، ضال ، صاحب فتنة ، ونحو ذلك من التعبيرات الشهيرة ، اليوم يمكن أن تقرأ وتسمع من أبناء التيار السلفي ـ خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ـ ألفاظا يصعب أن أكتبها أنا هنا في مثل هذا المقال ، لفرط فحشها وإسفافها .
لم يكن السلفيون هم السابقون في هذا المنحدر بطبيعة الحال ، فقد سبقهم نشطاء جماعة الإخوان المسلمين ، وكانوا يحترفون ـ قديما ـ تشويه المختلف عنهم ، والمخالف لهم ، وأما من يخرج من صفوفهم ويغادر الجماعة فكانوا يدمرونه تدميرا ، في سمعته وسيرته ويستبيحون عرضه بصورة وحشية ، ويختلقون عليه الأكاذيب العجيبة ، دون أي شعور بتأنيب الضمير أو المخالفة لمقتضيات شرعية تحذر من الكذب أو البهتان ، يفعلون ذلك لصناعة حاجز فكري ووجداني بين تجربة من خرجوا من الصف وبين أي فرصة لتأثيرها في أعضاء الجماعة .
الصدمات التي تلقتها الجماعة بعد أحداث 3 يوليو 2013 أحدثت فارقا واضحا في السلوك والأقوال لدى نشطائها عبر وسائل الإعلام المختلفة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص ، حيث وقع الاندفاع ـ بفعل العصبية الشديدة والمرارة ـ إلى مستوى من الشتائم يصعب تصور صدوره من أشخاص لهم صلة بالدين من أساسه ، ألفاظ وتعبيرات وعبارات كنت تسمعها في حارات شعبية من أناس لا حظ لهم من التربية ولا الثقافة ولا الستر الاجتماعي ، أصبحت رائجة الآن ويتم استخدامها ببساطة وسهولة كأنها من أدبيات "الردع" والثأر من المخالف ، ناهيك عن استباحة الأعراض ونسبة كل ما يشين إلى المخالف أو المختلف واختلاق الاتهامات والأكاذيب التي لا أصل لها بالمرة .
الانكشاف الأخلاقي المفاجئ والواسع للإسلاميين في مصر في أعقاب ثورة يناير وتوابعها كان من نواتجه الخطيرة تعميق الهوة بينهم وبين القوى السياسية والاجتماعية الأخرى في مصر ، وفقدانهم الكثير من جسور التواصل مع التيارات المختلفة ، واتساع رقعة الشكوك من قبل "الآخرين" تجاههم ، إضافة إلى خسارتهم لقاعدة شعبية كبيرة كانت تدين لهم بالولاء الروحي والثقة واستلهام القدوة ، ولم يتوقف الأمر عند سقوط رمزية العشرات من رموز الدعوة الدينية الشعبويين ، في الحالة السلفية أو الإخوانية أو فيمن عرفوا بالدعاة الجدد ، وصدمة الملايين في مواقفهم الجديدة وهشاشة التزامهم بالقيم التي طالما دعوا الناس إليها وجملوها في مخيلتهم ، وميلهم إلى حياة الدعة ورخاوة العيش وتأمين المحيط الشخصي على حساب أي شأن عام يستدعي تضحية من أي نوع .
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط ، وإنما اتسع الانهيار ليشمل القاعدة الواسعة من أبناء التيار الإسلامي ونشطائه وكوادره الذين جرفتهم العاطفة والعصبية والإحباط الشديد الذي ولده انكسار المشروع السياسي في 2013 ، وسهولة الكتابة والنشر عبر صفحات التواصل الاجتماعي ، فخلف ذلك طوفانا من التراشقات بالسباب والبذاءات ، سواء بين الإسلاميين وبعضهم البعض ، الإخوان وحزب النور مثالا ، أو بين الإسلاميين وغيرهم من التيارات الأخرى ، واللافت أن عنف التراشق بين الإسلاميين وبعضهم البعض كان أكثر إسفافا وعدوانية من تراشقهم مع الآخرين ، حيث تدور المعركة على "مناطق النفوذ" الديني .
لقد خسر الإسلاميون في مصر سياسيا بدون أدنى شك ، وأتت تجربتهم القصيرة في الحكم مع تجربتهم وأخطائهم في ثورة يناير ، لكي تفرض عليهم التواضع السياسي بدلا من الهالات التي صوروها للمجتمع والآخرين طوال العقود الماضية ، لكن المؤكد أن الخسارة الأخلاقية هي أعظم كثيرا من خسارتهم السياسية ، وإذا كانت مادة السياسة ومقتضياتها وآليات عملها تعطي الفرصة للتعويض السريع لأي تيار سياسي ناضج ويتعلم من تجاربه وأخطائه ، إلا أن المشكلة أن الخسارة الأخلاقية هي من النوع المختلف ، واستعادة ما خسره الناس فيها يحتاج إلى عقود ، وربما أجيال تبني من جديد قناعات وخيالات ومشاعر في قلوب الناس وعقولهم ، وهذا هو التحدي الأخطر الذي سيفيق على صدمته ، وثقل وطأته ، التيار الإسلامي في مصر بعد أن يذهب دخان السياسة الكئيب والسوداوي الذي يظلل البلاد حاليا .
أخر تعديل: 2019-04-28 | 05:45 م