الإسلاميون والديمقراطية .. أزمة التربية السياسية

 
كان اللقاء مع مجموعة من كوادر جماعة الإخوان المسلمين في الخارج ، وفيها قدر من المكاشفة والمصارحة ، خاصة بعد الجدل الذي أثير عقب نشر الزميل الأستاذ سليم عزوز لحواراته مع بعض الشخصيات التي كانت قريبة من الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي ، رحمه الله ، وقدمت شهاداتها ، والهجوم العنيف الذي تعرضت له من نشطاء الجماعة على منصات التواصل الاجتماعي .
بعض الحاضرين قال أن هذه الشتائم العنيفة لا تمثل الجماعة ولا تعبر عنها ، كما لا يمكن إثبات أن من أطلقوها من جماعة الإخوان ، فرد بعض الحاضرين بذكر أسماء محددة من مشاهير نشطاء الإخوان على الانترنت وقد خاضوا في نفس الشتائم ، وآخرون قالوا : حسنا ، إذا كانت تلك الشتائم والاتهامات التي تطول الضمير وحتى معقد الإيمان لا تعبر عن قيادة الإخوان أو لا ترضى عنها فلماذا لا يصدر بيان من الجماعة أو من شخصيات مسئولة فيها يوضح ذلك ويتبرأ منه.
أحد الحاضرين ، وهو شخصية سياسية مرموقة عند الجماعة ، قال أنه حاول أن يتلطف مع الدكتور سيف عبد الفتاح ، الذي تعرض لهجوم وشتائم مماثلة من نشطاء الجماعة ، وكتب عدة أسطر على الفيس بوك يقول فيها أنه يختلف مع الدكتور سيف لكنه لا يقبل أن يتعرض له بعض أبناء الجماعة بتلك الشتائم والاتهامات العنيفة ، تقول تلك الشخصية : بعد أن نشرت هذا "البوست" فوجئت بتعليقات تهاجمني أنا نفسي ، وتطالبني بمراجعة إيماني وعقيدتي .
بعض الحاضرين قال إنه ينبغي أن نلتمس العذر لانفعالات الشباب ، فالرئيس قتل في سجنه ظلما وما زالت ذكراه حية توجع القلوب ، وأن الدم المعصوم الذي أريق في ساحات رابعة والنهضة والحرس والمنصة وغيرها يصرخ في ذاكرة الشباب ويوجع قلوبهم .
والحقيقة أن المسألة لا تتعلق ، لا بوجيعة مقتل الرئيس مرسي ، ولا بالدم الحرام الذي استباحه النظام الجديد ، وإنما الأمر أقدم من ذلك ، ويتصل بخلل حقيقي في التربية السياسية عند الإسلاميين ، والأمر ـ للأمانة ـ لا يتعلق بالإخوان وحدهم ، بل حتى كوادر حزب النور "السلفي" لاحظت أن هذه "الآفة" تسللت لهم أيضا ، وأصابت تعليقاتهم بوضوح في شبكات التواصل الاجتماعي ، وإن كانت بصورة أخف أو أقل عنفا .
فمثل هذه الاتهامات والهجمات والشتائم كان يتعرض لها كل من اختلف مع جماعة الإخوان أو مع الدكتور مرسي في الفترة القصيرة التي حكم فيها ، وأنا شخصيا ، بحكم العمل الصحفي اليومي ، كنت أرصد ذلك بشكل دائم ، وبصورة بالغة العنف والبذاءة أحيانا ، لمجرد أن اختلف كاتب أو سياسي مع "الرئيس" في موقف أو قرار ، أو انتقد الجماعة في سلوك ، ولم يكن وقتها قد مس الجماعة أو كوادرها أي دم ولا اعتقالات ولا شيء ، بل الدم والاعتقالات كانت تطول خصومها من نشطاء الحركات المدنية .
هناك أزمة حقيقية في التربية السياسية عند الإسلاميين ، المران على فكرة القبول بالاختلاف السياسي ، مهما كان حادا ، وإدراك توابع قاعدة التعددية السياسية في المجتمع والدولة معا ، وأيضا فكرة التنوع العرقي أو الطائفي أو حتى القيمي في المجتمع ، وكيفية التعايش معه في مظلة ديمقراطية ، بل إن أصل الديمقراطية نفسه يحتاج إلى حسم لدى الإسلاميين ، قبل الدخول في معترك السياسة ، هل تقبل بالديمقراطية كمنظومة سياسية شاملة أم لا ، لأن القبول بها يلزمك بالقبول بمقتضياتها وقوانينها الأساسية في محيط سياسي متنوع ومتنازع ، من حق الجميع فيه أن يكون له رأيه ، وأن يعبر عن رأيه وأن يدافع عن رأيه ، ومن حقه أن يعارض الرئيس أو الحكم أو الحكومة أو النظام ، أيا كان ، وأن كون الرئيس أو الحكومة ينتمي إلى التيار الإسلامي لا يمنحه حصانة من النقد أو من المعارضة ، وأن فكرة ولي الأمر لم تعد لشخص وإنما لمؤسسات ، وفق منظومة الدولة الديمقراطية الحديثة ، أما فكرة ولي الأمر الشخص الآن فهي لصيقة بالنظام الديكتاتوري ، سواء كان بقبعة عسكرية أو عمامة دينية .
من الصعب على قطاع كبير من الإسلاميين حتى الآن أن يستوعب أن معارضتك للرئيس "الإسلامي" هي حق بل واجب كفله لك الدستور والقانون وتكفله لك الديمقراطية التي وصلت من خلالها للسلطة ، وأن المعارضة الشديدة لا تسمى "تحريضا" ضد الرئيس ، وإنما هي معارضة الرئيس ، بل حتى "التحريض" ضده هو جزء من النشاط الديمقراطي لحشد الرأي العام مع موقفك السياسي ، وأن العمل على إسقاط الرئيس أو تغيير النظام إذا رأيت أنه فاشل أو عاجز هو حق تكفله لك الديمقراطية ، بغض النظر عن كون هذا الرئيس أو النظام إسلاميا أو يساريا أو ليبراليا ، طالما استخدمت فيه الوسائل السلمية التي كفلها لك الدستور ، وكان نضالك وفق تلك الآليات ، بالرأي والتدافع السياسي من خلال المؤسسات الديمقراطية القائمة أو حتى من خلال الشارع ، لأن حق التظاهر ضد السلطة مكفول ديمقراطيا .
الديمقراطية منظومة متكاملة ، لا تمكنك أن تقبل ببعضها وترفض بعضها ، أو تقبل بها إذا كانت ريحها لصالحك وتكرهها وتشنع عليها إذا كانت ريحها ضدك .
لا يريد نشطاء الإخوان ـ مثلا ـ أن يستوعبوا أن من وقفوا ضد الرئيس محمد مرسي وعارضوه وحرضوا ضده ، هم أنفسهم وقفوا ضد مبارك ونظامه وعارضوه وحرضوا ضده ، وهم أنفسهم وقفوا ضد السيسي ونظامه ويحرضون ضده ، وأن مرسي لا يملك حصانة "إلهية" خاصة تجعله خارج هذا السياق السياسي ، لا هو ولا غيره ، وأغلب من عارضوا مرسي ـ من أبناء ثورة يناير ـ يدفعون الآن ثمن معارضتهم للسيسي أيضا ، ولو كان الأمر انتهازية سياسية أو عونا لظالم لكان موقعهم الآن في أعلى مؤسسات الدولة ويسبحون في سمنها وعسلها ، لكنهم يدفعون ثمن مبادئهم التي لم يخونوها ، لا مع مبارك ولا مع مرسي ولا مع السيسي .
صحيح أن تطورات الأحداث كشفت عن خطأ الاستعجال بتنحية مرسي ، أو عدم تركه يكمل مدته والثقة بأن المجلس العسكري سيجري انتخابات جديدة نزيهة للبرلمان والرئاسة مثلما فعل في العام الذي قبله وأتت بالإخوان ، وقبول النخبة المدنية التي تصدرت مشهد إزاحة مرسي أن يكون القرار للقائد العسكري ، كان ذلك خطأ كارثيا دفعت البلد ثمنه ، وما زالت تدفع ، لكن لا يمكن أن تتجاهل أن مصر في تلك الأثناء كانت تعيش أجواء ثورة وانفعالات ثورة وحراك شارع ثوري هائج ، وأن الجماعة والرئيس لم يستوعبوا جيدا هذه الأجواء أو تعمدوا تجاهلها والعناد معها وتحديها ، وتصوروا أنهم سيطروا وهيمنوا على الدولة ، أو أن مصر وقتها أصبحت في استقرار ورسوخ و"برود" الديمقراطية البريطانية أو الألمانية ، كما أن الثقة المفرطة في القائد العسكري وقتها ، خطأ وقع فيه الأطراف كلهم ، الإخوان والرئيس وخصومه .
هناك فراغات كثيرة في وعي الإسلاميين السياسي ، ربما لحداثة اقتحامهم للفضاء السياسي ، وربما لأن المناخ السياسي في العالم العربي نادرا ما شهد فترات حكم ديمقراطية حقيقية تفتح الميدان للجميع ، فلم تتح لهم فرصة المران الطويل على التعايش مع قواعد الديمقراطية وقوانينها الإنسانية الحاكمة للعلاقة بين المواطن والسلطة وبين المواطن والمختلف معه .
وأعتقد أن هناك أولوية كبيرة الآن عند التيار الإسلامي لأن يولي ذلك "الفراغ" حقه من المراجعة ، وأن يخضع كل من يقتحم الفضاء العام أو العمل السياسي من الإسلاميين لدورات تأهيل سياسي ، وتدريب أكثر عمقا ، لأن ما يحدث الآن يعيد انتاج الكوارث ، ويخيف كثيرين من نوازع الإسلاميين إذا امتلكوا قوة أو سلطة في المجتمع ، وإمكانية سحقهم للآخر المختلف معهم ، إذا كان هذا هو مستوى عنفهم وهم لا يملكون سلطة ، فكيف إذا كانوا يمتلكون سلطة وأدواتها الأمنية والقضائية .
التيار الإسلامي شريحة واسعة وضخمة في العالم العربي والإسلامي ، وبحر من البشر لا يمكن تجاهله سياسيا ، ولا يمكن أن تولد ديمقراطية حقيقية بدون استيعابه ، تلك حقيقة بديهية يعرفها كل مهتم بالشأن العام في أي بلد عربي أو مسلم ، وهذا يفرض مسئولية أخلاقية وسياسية أعظم على أبناء هذا التيار ، وعلى قادة الفكر فيه بشكل أساس ، حتى تتحول تلك الطاقات البشرية الهائلة إلى دعم للمشروع الديمقراطي وليس عائقا أمامه أو عاملا لخلط أوراقه وتعطيل مساره كلما اقترب من التحقق في بلد ما .
أخر تعديل: 2019-12-24 | 08:20 ص