التمرد على النوتة !!

 
 
بالصدفة شاهدت هذا المشهد في منجم اليوتيوب بعد أن جذبني عنوانه. مشهد مدته أقل من دقيقة ونصف وعدد مشاهديه يقترب من 8 مليون مشاهد!! ليلة من ليالي صيف  1968 ، تقف أم كلثوم على مسرح قصر النيل، وتركز الكاميرا على وجه عازف الناي (سيد سالم). يبدو أن هناك شيئًا ما سيفعله هذا السيد الليلة. شيئًا لم يعتاده الجمهور. أم كلثوم ذاتها سيفاجئها سيد الليلة. وبالفعل حدث ما لا يمكن توقعه. في لحظات فريدة في عالم الطرب تمرد سيد على النوتة وخرج عن الخط المرسوم وعزف بطريقة مختلفة. لا أعرف كيف أصف خروجه. أشعر أن الجمهور توقع منه أن يسير ناحية اليمين فتركهم واتجه يسارًا. أو توقعوا منه أن يصعد على السلم فتركهم وطار في الهواء. المهم أنه فعل شيئًا مختلفًا يصعب وصفه. مافعله سيد في لحظة تجلي أجبرني على التوقف والانصات وأنا هذا الانسان الذي لم يعد منصتًا لأغاني المغنيين ومنذ سنين بعيدة. أجبرني سيد على الانصات وبعد أن أنهى فعلته عدت لأسمعها مرة ومرة ومرة. وفي المرة الرابعة مررتها عبر( الواتس) إلى أصدقائي وأنا أضع أسفلها علامة الدهشة! بعدها جلست وفكرت. الأمر أبعد من أن يكون مجرد عزف على الناي أو حالة تمرد متعمد على النوتة. والأمر لا يتعلق بالطرب والغناء. الأمر يتعلق بالابداع. نعم يتعلق بالابداع وسيد سالم كان سيد الابداع في تلك الليلة. وجه سيد وهو يبدع لحنًا يخرج به عن المعتاد كان وجه رجل إنغمس في عمله حتى إنتفخ وجهه. سيد أغمض عينيه في تلك اللحظات. أغمضهما رغما عنهما أو أغمضا هما ذاتهما رغمًا عنه وعنهما. حالة شغف تفوق الوصف. الابداع وقوده الشغف. كيف يبدع من لازال يشعر بنفسه وجسده ويفتح عينيه ويغمضهما. إسال كل إنسان شغوف بعمله. هل تشعر بنفسك؟ هل تشعر بجسدك؟ هل تشعر بوقتك؟ هل تشعر بالناس من حولك؟ هل تشعر بزوجتك وهي تصرخ كعادتها عليك؟ هل تشعر بطفلك وهو يقف عند قدميك؟ المبدع وهو يبدع لا يشعر بشئ سوى إبداعه، إبحث عن شغفك، وإذا لم تجده فكن شغوفًا بالبحث عن شغفك، سيد الناي لم يخشى الناس وهو يعيش حالة إبداع فريدة ومدهشة، لم يخشى جمهور قد لا يهضم إبداعه. لم يخشى زملاء قد يتهمونه بأنه يعمل لحسابه أويسوق نفسه على حسابهم. لم يخشى أم كلثوم ذاتها. وأم كلثوم وما أدراك ما أم كلثوم على المسرح أو حتى بعيدًا عن المسرح؟! الابداع لا يحضر مع الخوف، الابداع جرأة وشجاعة، الخائفون لا يبدعون، والأجواء المخيفة يهرب منها الابداع. أيضاً الابداع حالة كيف وليست كم. حالة يتم الاحساس بها ولا يتم حسابها. إبداع سيد الناي إستغرق عشر ثوان. أنا حسبتها. ثوان معدودات خلدها عالم الطرب وظلت في الأذهان عشرات السنوات. 52 عامًا وإبداع سيد مازال في الأذهان. الجمهور إعترته لحظات من الجنون وهو ينصت لناي رجل متمرد على نفسه وعلى من حوله وعلى النوتة. إنفعل الجمهور وطلب من سيد أن يعود فيطير من جديد.الناس يحركهم الابداع. الناس يستسلمون أمام أي عمل إبداعي يجدد حياتهم ويكسر عاداتهم ويأتيهم من حيث لم يحتسبوا. الابداع حياة والاستنساخ موت.. وكثيرون في عالمنا في أمس الحاجة إلى التمرد على النوتة قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. 

د. عبدالله ظهري 

Facebook: elbarjal 
أخر تعديل: 2020-07-17 | 10:54 م