عزيزٌ علينا هجر بيوت الله

 
القرارات الأخيرة التي اتخذت في مصر وغيرها من بلاد المسلمين ،والقاضية بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة في المساجد بسبب انتشار فيروس كورونا ، لا بد أنها تثير في قلب كل مسلم صادق كثيراً من مشاعر الحزن والأسف ، إذ كيف لأهل الدين والإيمان الذين تعلقت قلوبهم ببيوت الله تعالى ، واعتادوا عند سماع كل نداء للصلاة أن يسعوا جادين لإدراك فضل الجماعة ،كيف لهم أن يجدوا أنفسهم في لحظةٍ محجوزين عن تلك البقاع الطيبة ،التي هي خير البقاع في الأرض كما هو ثابت بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟  
لكننا مع ذلك لا يمكننا إلا أن نوافق على تطبيق تلك الإجراءات ،التي نرى أنه لم يتم اللجوء إليها إلا بعد أخذ رأي المختصين في المجال الطبي ، وغلبة الظن أن في هذا المنع وقايةً بإذن الله تعالى من زيادة الإصابات بهذا الوباء الخطير ؛ إذ الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى مما جاءت به الشريعة الغراء وندبت إليه ، وقد أخرج مسلم في صحيحه ( 2231) عن الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه قال: (كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : إنا قد بايعناك فارجع) .
ومن أجل ذلك لا أرى حجةً صحيحةً لمن اعترض على تلك الإجراءات بدعوى أن في ذلك صداً عن سبيل الله ، أو أن ذلك داخل في قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ) . [ البقرة : 114 ]، وذلك لأن المنع هنا ليس لذات المنع ،وإنما هو لمصلحة محققة ولدفع ضرر يغلب على الظن وقوعه من تجمع عدد كبير من الناس في مكان واحد . ونحن نعلم أن مما نص عليه فقهاؤنا في كتبهم أنه يرخص في حال المطر الشديد ونحوه من الأعذار أن يقول المؤذن : (صلوا في رحالكم ) أو : ( صلوا في بيوتكم  ) كما أخرج البخاري (668)، ومسلم (699) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : ( إِذَا قُلْتَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، فَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ  ، قَالَ : فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ ، فَقَالَ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا ؟! ، قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ ، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ ) . وقول ابن عباس : ( قد فعل ذا من هو خير مني ) يعني به الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء مصرحاً به في رواية أخرى عند مسلم ، كما أن الواضح من السياق أن ذلك كان في صلاة الجمعة بدليل قول ابن عباس : ( إن الجمعة عَزْمة ) ، وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله : باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر. 
ومعنى قول ابن عباس : ( إن الجمعة عزمة  ) كما ذكر الإمام النووي في شرح مسلم : أنها واجبة متحتمة ، فلو قال المؤذن: حي على الصلاة لكلفتم المجيء ولحقتكم المشقة.
وقد صح في البخاري ( 616) ومسلم ( 699) عن ابن عمر رضي الله عنهما نحواً مما صح عن ابن عباس ، وذلك فيما رواه ‏نافعٌ ‏قَالَ : ( ‏أَذَّنَ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏‏فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ ‏ ‏بِضَجْنَانَ ،‏ ‏ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا فِي ‏رِحَالِكُمْ ‏، ‏فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ ‏‏:  أَلَا صَلُّوا فِي ‏‏الرِّحَالِ ‏، فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ ) .
ولا يشك عاقل أن ما نحن فيه من انتشار الوباء أشد مشقةً وحرجاً من هبوب ريح باردة أو هطول مطر شديد.
وأما اعتراض البعض بأن الصلاة هي عماد الدين ، وأن في المداومة عليها حفظاً للدين ، وأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس ، فلا أرى له وجهاً ، وذلك لأن تضييع الدين يكون إذا أمرنا بترك الصلاة بالكلية ، أما إذا تركنا صلاة الجمعة والجماعة في المساجد مدة من الزمن فإنا لا نكون بذلك قد ضيعنا الدين ، لأن الصلاة باقية ،وإنما المتروك الجماعة في المساجد فقط . 
وقد نص أهل العلم على أن الجماعة تنعقد بواحد مع الإمام ،ولو في غير المسجد ، لما أخرجه البخاري ( 658) ومسلم ( 674) عن مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولصاحبٍ له : ( فإذا حضرت الصلاة فأذنا ، ثم أقيما ،وليؤمكما أكبركما ) .
قال ابن قدامة في المغني ( 2/ 7) : ( وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدًا، لا نعلم فيه خلافًا...  ) إلى أن قال : ( ولو أمَّ الرجلُ عبدَه أو زوجته، أدرك فضيلة الجماعة ) ، وقال الإمام النووي في روضة الطالبين ( 1/ 445) : ( إذا صلى الرجل في بيته برفيقه أو زوجته أو ولده، حاز فضيلة الجماعة، لكنها في المسجد أفضل .... ) . فعلى هذا لو صلى الواحد منا في بيته بأهله خلال فترة المنع ، فقد أدرك بحمد الله فضيلة الجماعة. 
ومما قرأته من الاعتراضات أيضاً  ما ذكره البعض من أن هناك طواعين وقعت في تاريخ الإسلام ومنها ما وقع في عصر الصحابة ، ومع ذلك لم يثبت أنهم منعوا الجمع والجماعات لأجل ذلك . وأقول : إن هناك فارقاً بين مرض الطاعون ، وبين وباء الكورونا ، فإن الطاعون هو كما في المعجم الوسيط : ( داء وَرَمي وبائي سببه مكروب يصيب الفئران، وتنقله البراغيث إلى فئران أخرى وإلى الإنسان ) ،  وهو كما ذكر الإمام النووي في شرح مسلم : عبارة عن قروح تخرج في الجسد فتكون في الآباط أو المرافق ،أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن، ،  فهو مرض بكتيري ،واسم البكتريا الخاصة به : ( yersinia pestis) كما ذكر لنا أستاذ فاضل بطب أسيوط ،هو الدكتور طارق عبد الرحمن . والطاعون ينتقل عن طريق البراغيث والبعوض والفئران ، ولا ينتقل عن طريق الإنسان المصاب إلا بالملامسة المباشرة للسوائل الجسدية المعدية أو المواد الملوثة التي تخرج من جسم المصاب بالطاعون ، هكذا يقرر الأطباء والمختصون . وأما الكورونا فهو مرض فيروسي يصيب الجهاز التنفسي ،وينتقل عن طريق الرزاز ، أو اللعاب ،أو عن طريق ملامسة أسطح ملوثة بالفيروسات التي لا يمكن أن ترى بالعين المجردة . وقد يكون الإنسان مصاباً بالكورونا ولا تظهر عليه أعراضها ،فيعدي غيره دون أن يشعر. ومعنى ذلك أنه يمكن في ظل انتشار الطاعون أن نصلي في المساجد مع الاحتراز من دخول المصابين بالطاعون ؛ لأن الأعراض تكون ظاهرة على المريض ، أما في حالة فيروس الكورونا فإنه كما ذكرنا قد يكون الإنسان حاملاً للفيروس دون أن تظهر عليه أعراضه . فلأجل ذلك وجب أن تكون الإجراءات الاحترازية في هذا الفيروس أشد من حالة الطاعون.
أسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم من كل داء وبلاء ، وأن يعجل بكشف الغمة ورفع الوباء، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
26 رجب 1441هـ- 21 / 3/ 2020م

أخر تعديل: 2020-03-22 | 03:01 م