كتاب اللامساواة لبيكيتي-ماركس الحديث

 
 
كلنا يتذكر الجدل الكبير الذي دار في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية حول كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" والذي ظهرت طبعته الفرنسية عام 2013 ثم ترجمته الانجليزية عام 2014 وقد حاز على أعلى نسبة مبيعات في ذلك العام ولقب بيكيتي من يومها بماركس الحديث. وقد قمت بعرض للكتاب في حينه. ولأن كتاب رأس المال الخاص بماركس صدر عام 1867 فإن الفارق الزمني بين الكتابين يبلغ حوالي قرن ونصف. وبالرغم من طول الفترة بين الكتابين إلا أنه من الملاحظ تأثر بيكيتي بالكثير من أفكار ماركس الذي ركز في معظم كتاباته على المنطق الاقتصادي لنموذج وعلاقات الإنتاج التي أستغلها الرأسماليون في زمنه للسيطرة على الطبقات العاملة، بمعنى أن كتاب ماركس غلب عليه الطابع الأيديولوجي أو هكذا أراد. أما كتاب بيكيتي فإن الطابع الأكاديمي يغلب عليه من حيث تجميعه لبيانات تاريخية ضخمة وتحليليها إحصائيا ورياضيا من أجل استنتاج نتائج موضوعية قدر الإمكان حتى لا يتهم باتباع المنهج الأيديولوجي الذي يخضع عادة للاعتقاد وليس للحقائق المدعومة بالبيانات والواقع على الأرض. وبالرغم من هذا أتهم كثير من النقاد بيكيتي بتغليب المنهج الأيديولوجي في توصياته النهائية كما سوف نوضح.

ومنذ شهرين وقبل غلق العالم كله بسبب فيروس كورونا صدر كتاب جديد لبيكيتي أقرب عنوان له بالعربية هو "مراجعة اللامساواة" لما تشكله هذه المشكلة من مخاطر اقتصادية اجتماعية على كافة دول العالم. وقد تصادف ظهور الكتاب مع ميلاد فيروس الكورونا وكأنهما على موعد لتذكير العالم بمشكلة اللامساواة والأوضاع المعيشية الصعبة التي تعاني منها طبقة الفقراء وسط تجاهل من الأغنياء والحكومات للمشكلة. 
الكتاب ضخم حيث يبلغ حجمه حوالي 1000 صفحة بينما كان عدد صفحات كتابه رأس المال حوالي 750 صفحة. 
وحيث أن هناك تداخل بين الكتابين رأيت أنه قد يكون من المفيد أن أذكر القراء في عجالة بالأفكار الأساسية لكتاب رأس المال مع بعض التصرف من جانبنا بغرض الإيضاح وذلك قبل أن نعرض بشكل مختصر للأفكار الأساسية للكتاب الجديد.

كتاب رأس المال في القرن الواحد والعشرين         
يتضمن الكتاب إحصاءات تاريخية قيمة حول مسألة تركز الثروة والدخل عبر التاريخ وقد لاحظ بيكيتي أنه منذ الثورة الصناعية الأولى وخلال القرنين 18 و19 شهدت المجتمعات الأوروبية بداية استفحال مشكلة اللامساواة وتركز الثروة في يد عدد محدود من العائلات الغنية وظهر التمايز الواضح بين الطبقات.   
كما لاحظ بيكتي أن فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء تتراجع في وقت الأزمات الكبيرة مثل الحرب العالمية الأولى والثانية والكساد الكبير الذي ضرب العالم في أول ثلاثينيات القرن المنصرم. ويحدث هذا عادة نتيجة تمتع الحكومات بصلاحيات كبيرة في وقت الأزمات للقيام بتعبئة كل الموارد المتاحة لتمويل الحرب والتعامل مع المشاكل الاقتصادية الحادة ودائما ما يكون هذا على حساب الأغنياء الذين يتقلص نفوذهم في زمن الأزمات الحادة. وبالطبع فإن تحليل بيكيتي في هذه الجزئية سليم فيما يتعلق بالحالة الأوروبية ولكنه غير صحيح بالضرورة في الحالة الإفريقية والعربية حيث يتم تمويل الحروب وحل الأزمات الكبيرة عادة على حساب الفقراء ونادرا ما تتأثر دخول أو ثروات الأغنياء. 
ولكن مشكلة الفجوة واللامساواة عادت للظهور من جديد وبشكل سريع وهائل بداية من النصف الثاني من القرن الماضي وحتى الآن. وقد خرج بيكتي من أبحاثه هذه بنظرية رياضية يمكن تلخيصها في أن الثروة تنمو بمعدل أسرع من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة ومن بينها التدخل الحكومي باعتباره من أهم العوامل التي يمكن أن تقلب كل موازين معدلات النمو في جانبي هذه المعادلة. ومن العوامل الأخرى التي يمكن أن تقلب هذه المعادلة وبشكل درامي ثورة الشعوب أو العمال وعلى ما أعتقد فإن هذا ما حاول ماركس أن يفعله أي التغيير من خلال الثورة والعنف.
ويختم بيكتي تي كتابه بدعوة الحكومات للإسراع بالتدخل للحد من فجوة الدخل لتجنب مشاكل اجتماعية كبيرة وخطيرة وذلك من خلال فرض ضرائب على الثروات والمواريث. 
وقد تعرض كتاب رأس المال للكثير من النقد ومن أهم هذا النقد عدم تمييزه بين الثروة الناتجة عن العمل والابتكار مثل ثروة بيل جيتس أو جيف بيزوس صاحب أمازون وبين الثروة التي تأتي بالميراث ودون أي جهد. كما أن بعض الاقتصاديين أتهموه بأن السياسات التي يقترحها ذات أساس أيديولوجي وليس اقتصادي، بمعني أن مضارها قد تكون أكبر بكثير من منافعها هذا بالرغم من عداء بيكيتي للمنهجية الأيديولوجية في البحث ووصفه لها بأنها منهجية غير عادلة.

كتاب مراجعة اللامساواة 

ومرة أخرى سوف أعرض أهم أفكار الكتاب الضخم وبشيء من التصرف من أجل الإيضاح.   
خصص بيكيتي جزءا كبيرا من كتابه هذا لشرح كيف تم توظيف المنهج الأيديولوجي بطرق مختلفة عبر التاريخ لتكريس الطبقية ونهب الضعفاء. ففي العصور الوسطى كانت الكنيسة تدعي أن هناك قانون طبيعي يحتم أن يكون عدد الكهنة والنبلاء قليل وأن تكون أغلبية العامة من العمال وأن واجبهم الديني يتطلب أن يقبلوا بهذا وأن يحترموا هذا القانون الإلهي. وفي الهند أيضا استخدم نفس النهج للتمييز الطبقي وخلق طبقة عريضة من المنبوذين للقيام بالأعمال الوضعية دون غيرهم بدعوى أن هذه رغبة السماء.
وفي الجزيرة العربية جاءت العبودية بدعوى أن العبيد يحتاجون إلى التوجيه والحماية من أسيادهم بشكل دائم وأنه يتعين عليهم تقدير هذا والالتزام بطاعة السيد أو السيدة وإلا تعرضوا لغضب الرب.
وعندما جاءت المرحلة الاستعمارية بسط المستعمر نفوذه ونهب كل ما فوق الأرض وما تحتها تحت خطاب أيديولوجي يقول إن المستعمر جاء من أجل تنوير هذه الشعوب وإنقاذها من الجهل والتخلف، هذا بالرغم ما كان يقوم به المستعمر من تشجيع نشر الدجل والشعوذة بين الشعوب المستعمرة. وفي هذا أتذكر ما قاله جومو كينياتا قبل موته ما معناه أنه عندما حضر الرجل البيض إلى أفريقيا علمنا أن نغلق عيوننا ونحن نصلي‘ وتركنا نصلي مغمضي الأعين وأنطلق ليحتل كل أراضينا.  
ومرة أخرى فإن أجمل ما في كتاب بيكتي هو عدم تركيزه على التنظير واعتماده على الإحصاءات التاريخية الموثقة وقد توصل إلى نفس النتيجة التي توصل لها ماركس ولكن لأسباب مختلفة وهي أن الرأسمالية بكل إيجابياتها تولد مستوى عال ومتزايد من اللامساواة، والسبب هو تزايد الثروات بمعدل أسرع من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي‘ بينما قدم ماركس نظريته في فائض القيمة لتفسير الظاهرة وركز على نتائجها المؤلمة للعمال، كما أنه لم يرى حلا لهذه المشكلة سوى الثورة وتصفية الرأسمالية والقضاء على الرأسماليين عكس بيكيتي الذي اقترح حلولا سلمية للمشكلة.
واليوم ومع انتشار وباء كوفيد 19 نرى أن مشكلة اللامساواة وتركز الثروة في يد الأغنياء تزداد سؤا مع فقدان الملايين من العمال وظائفهم عبر العالم بسبب الإغلاق التام لمعظم القطاعات الصناعية والخدمية. أضف إلى هذا ما نلاحظه كاقتصاديين من أن أسعار الفائدة تتجه للانخفاض بشكل عام في معظم الأنظمة الاقتصادية سواء في أوقات الأزمات أو الاستقرار ‘والرأسماليون يستفيدون من أسعار الفائدة المنخفضة أكثر بمراحل من استفادة الفقراء منها كما ذكرنا في العديد من مقالاتنا السابقة وهذا يزيد بالطبع من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل منتظم. 
 وفي الفصل الأخير من الكتاب يبين بيكيتي معارضته للنهج الشيوعي في الحل وأكد أنه من مؤيدي نظام الاشتراكية الديموقراطية الذي يحترم الملكية الفردية وحقوق الملكية ويدعم التوجه السياسي الداعي إلى فرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء وعلى المواريث. كما أنه يدعو إلى نوع من مشاركة السلطة في إدارة الشركات من خلال ضم العمال إلى مجالس الإدارة ومنحهم نوعا من التمثيل في الحكومة نفسها. والهدف من كل هذه المقترحات كما هو واضح الحد من سيطرة ونفوذ الرأسماليين في مراكز القرار وهي سياسة يمكن أن تسهم بشكل فاعل في تقليص فجوة الدخل والحد من اللامساواة ومنح فرص أكبر لطبقة العمال. 
والسؤال الذي يطرحه بعض الاقتصاديين هو هل من شأن هذه الإصلاحات التي دعا لها بيكيتي في كتابه أن تخلق مجتمعات أفضل؟  حيث يرون في الاشتراكية مخاطر أخرى لعل من أهمها تقليص مساحة الديموقراطية والشفافية وحرية التعبير والنقد. كما أن إشراك العمال في إدارة الشركات ربما يكون على حساب الكفاءة والإنتاجية. والحقيقة أن بيكيتي لم يعطي اهتماما كافيا في كتابه لهذه المخاطر الكبيرة والواردة. ولعلي أضيف أن الضرائب التصاعدية والمبالغ فيها غالبا ما يكون لها آثار غير مواتية على مستوى الاقتصادي الكلي لأنها لا تشجع على الاستثمار وأخذ المخاطر وتقتل الحافز الفردي. وللأمانة فإن بيكيتي قلل من شأن بعض هذه المخاطر ولكن في عجالة لا تتماشى مع الحجم الضخم للكتاب حيث قال ببساطة شديدة ما معناه أن عبقرية أصحاب شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وفيسبوك لن توقفها الضرائب المتصاعدة على أرباحهم. ولكننا نتسآل عن الحال عندما تتصاعد الضرائب إلى حد مصادرة معظم أرباحهم، أليس من البديهي افتراض أن هذه المصادرة لن تكون مشجعة لهم على المزيد من العمل والاستثمار والابتكار؟ نعتقد أن بيكيتي كان أيديولوجيا أكثر منه أكاديميا في معالجة هذه المعضلة. ونقول إنها معضلة لإنه لم يوجد بعد نظام اقتصادي سياسي مثالي وخالي من العيوب. وبالرغم من كل هذا الجدل السائد حول الاشتراكية الديموقراطية إلا أننا من المؤمنين بحتمية الحل الاشتراكي الديموقراطي باعتبار أن الضمانات التي توفرها الأخيرة قادرة على تصويب أي انحرافات للاشتراكية وهو ما لم يحدث مع التطبيقات الشيوعية التي فشلت لانعدام الديموقراطية كما ذكرنا في مقالات سابقة لنا.

د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي 
[email protected]
أخر تعديل: 2020-05-15 | 03:28 م