كل هذا الهوان يا مصر ؟!


كان اللافت في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة هو حجم الإهانات التي لحقت بصورة مصر وشعبها أمام العالم ، وأمام الأشقاء العرب أيضا ، مشاهد الرقص الخليع والمتدني لنساء ورجال أمام اللجان والتي حرص إعلام الدولة نفسه على نقلها ، باعتبارها احتفالا شعبيا بالرئيس ، كانت تمثل عارا على مصر والمصريين بدون أدنى شك ، ولعل المقيمين خارج مصر ـ حتى من أنصار السيسي أنفسهم ـ شعروا بهذا الحرج وذلك العار ورأوه في نظرات الآخرين لهم .
لم يكن هذا الهوان قد لحق بالعامة والجهلاء فقط ، بل رأينا الهوان يمتد إلى الحالة الدينية ، والمشاهد الحية التي نقلت لنا احتشاد نساء أحد الأحزاب الدينية أمام اللجان وهن منقبات محتشمات الزي ، ولكنهن ـ في الحقيقة ـ عاريات الوعي والعقل والدين ، وهن يصفقن ويغنين ويتمايلن في مشهد سوقي مبتذل ، لإظهار الولاء الكامل للنظام ، كان هذا هوانا غير مسبوق في مصر على المستوى الاجتماعي كما على المستوى الديني .
الهوان أيضا نقلته الصور والمشاهد الحية لكراتين الطعام التي توزع على البسطاء والفقراء من أجل حثهم على المشاركة في الاستفتاء والتصويت لصالح الرئيس ـ عمليا ـ والموافقة على امتداد جلوسه على عرش مصر مدى الحياة تقريبا ، وعلى الرغم من محاولات إعلام النظام التقليل من وحشية تلك المشاهد ، أو الكلام السخيف بنسبة هذا العمل ـ حين عجزوا عن إنكاره ـ إلى جماعة الإخوان والمعارضة بأنهم افتعلوا ذلك لتشويه النظام والرئيس ، هو محاولات بائسة ومهينة للعقل كذلك ، عندما يرى العالم إرادة الشعب المصري السياسية تساوي كرتونة طعام ، فهذا هوان وإهانة بشعة ، خاصة عندما تصدر من السلطة ومؤيديها .
الهوان كان يتجلى أيضا في الابتذال الذي مارسته أجهزة الدولة ومؤسساتها ووزاراتها التي ربطت مصالح الموظفين أو مستقبلهم بالمشاركة في المصالح العامة وشركات البترول وغيرها ، لكن الهوان المؤسسي تجلى بصورة أعظم في مشهد جامعة القاهرة ، رمز مصر العلمي الأكبر ، ورئيسها يحول الجامعة إلى سوق شعبي يوزع فيه "كراتين" الدرجات والإعفاءات المالية للطلاب من رسوم المدينة الجامعية أو رسوم الدراسة أو حتى إعفائهم من حمل مادة أو مادتين دراسيتين لو رسبوا فيهما ، كل ذلك في سياق الولاء للنظام والحشد للاستفتاء ، هذه إهانة لا أظن أن الجامعة المصرية تعرضت لها من قبل أبدا بكل تلك الوحشية والابتذال ، ودع عنك ما تنتجه من طعن لسمعة وقيمة خريجي تلك الجامعة في العالم العربي والبلاد الأخرى .
الهوان لحق بنا جميعا ، وطنا ودولة وشعبا ، عندما يصبح كل مختلف مع النظام خائنا وإرهابيا ، فإذا فشلنا في إلصاق تلك التهم الكاذبة والرخيصة به ، فتحنا عليه "قاذورات" الاتهامات الأخلاقية وطعناه في شرفه وسلوكه الشخصي ، على النحو الذي حدث مع الفنانين : خالد أبو النجا وعمرو واكد ، أو نسرب له مشاهد فاضحة تسيء إلى الحالة الفنية في مصر بكاملها وتصورها كمستنقع للخنا والدعارة ، لمجرد تصفية الحساب مع مخرج سينمائي تمرد على النظام أو اختلف معه في موقف واحد ، لم يغفر له فيه أنه خدم النظام طويلا وقدم له خدمات جليلة ما زالت محل جدل ، ثم نتيح للإعلام الرسمي للدولة أن يسوق تلك الاتهامات ويلقي بالكلام الساقط والمهين ـ على أغلفة المجلات وصدر الصحف بالخطوط العريضة ـ على الفنانين الذين تمردوا أو عارضوا أو اختلفوا من النظام ، بكلمات وصور وعبارات لا تصلح إلا في حارات السفلة وأوكار المخدرات والساقطين أخلاقيا .
الهوان وصل إلى حد أن نائب رئيس الجمهورية يستجدي الحكومة أن تجدد له جواز سفره الذي ينتهي بعد أسابيع قليلة ويوجه نداءاته عبر صفحات التواصل الاجتماعي بعد أن فشلت القنوات الرسمية ، الدكتور محمد البرادعي ليس فقط نائب رئيس الجمهورية ، بل مدير هيئة الطاقة النووية ، وهو المنصب الرفيع الذي يضيف الكثير للدولة والوطن الذي ينتمي إليه ، ليس فقط ، بل هو المصري الذي كرمه العالم في أرفع صور التكريم بمنحه جائزة نوبل العالمية للسلام ، هذا الرمز المصري بكل تلك الحيثيات يستجدي حكومة بلاده أن تجدد جواز سفره ـ أبسط حقوقه كمواطن ـ وتمتنع عليه حتى الآن ، يكشف لك إلى أي هوان ودرك وصلت الدولة على يد هؤلاء العابثين الجدد ، وإلى أي هوان وصل المواطن المصري في بلاده ، وإذا كان البرادعي بكل تلك الحيثيات يحدث معه ذلك ، فما بالك بالمواطن الذي لا يملكها ، إلى أي هوان وظلامية وصل معنى المواطنة في حد ذاتها ؟ .
الهوان الذي جعل شخصا خليجيا ، بلا قيمة ولا قامة ولا تاريخ ، يصبح الآمر الناهي في مسار كرة القدم المصرية ، أيقونة الرياضة المصرية ، ويكسر أنف أكبر ناديين فيها ، الأهلي والزمالك ، والذين يدعمهما حب وولاء وعشق أكثر من ثمانين مليون مواطن مصري ، ويسخر من رؤساء تلك الأندية ومجالس إدارتها وينشر علنا وبلا أدنى حياء أنه هو من صنع نجاح بعضهم ومنحه فرصة أن يكون رئيس النادي الكبير ، ومنحهم المال الشخصي في الانتخابات ، ويفرض قراراته وسخرياته على الجميع ، وعندما يتأفف أحدهم ، يلوح لهم بصوره مع رئيس الجمهورية ، وعندما تبدأ جهود تمرد على سطوته يكون في اجتماع مع رئيس الجمهورية في الأسبوع نفسه ، وتنشر صور الاجتماع في جميع وسائل الإعلام الرسمية ، في إشارة واضحة ومهينة لمصر بكاملها .
الهوان الذي يجعل من دولة مركزية ، بعمق تاريخ وحضارة مصر ، تصبح تابعا لخطط إمارة خليجية صغيرة ، تخوض معاركها ، وتنضم سريعا إلى أي محور تشكله سياسيا أو عسكريا في أي مكان استجابة لدعوتها ـ أو أمرها ـ ويقف رئيس مصر أمام شيخها بوضعية وهيئة لا تليق أبدا بحاكم مصر ، ولم تحدث أبدا في تاريخ مصر الطويل ، وهو الهوان الذي جعل إعلام تلك الإمارة الصغيرة يردد ـ بزهو وتعال ـ أن مركز القرار العربي تحول إلى الخليج ، وأن "أبو ظبي" وليس القاهرة هي من تقود القرار العربي اليوم ، أو "العواصم العربية القديمة" ، حسب تعبير بعضهم .
الهوان ـ مع الأسف ـ ألحقوه بالمؤسسات التي نحمل لها ، ويحمل الشعب كله ، احتراما له خصوصية ، مثل القوات المسلحة ، عندما يرى الناس الجندي المقاتل وهو يبيع الخضار والطماطم والخيار على قارعة الطريق بزيه العسكري ، في سياق حشر الجيش في النشاطات الاقتصادية التي لا تتسق مع كرامة المؤسسة ولا رسالتها ودورها الدستوري والمنطقي .
الهوان لحق بمصر عندما يكون صورة إعلامها المعتمدة أمام العالم ، تختصر في أشخاص مثل توفيق عكاشة أو أحمد موسى أو عزمي مجاهد وما شابه ، مصر التي مثل إعلامها قبلة الوعي والثقافة والمثل للإعلام العربي من المحيط إلى الخليج قبل ذلك ، وكانت كوادرها ـ وما زالت ـ تثري الإعلام العربي والدولي والعالمي في مؤسسات إعلامية بحجم بي بي سي وغيرها ، تصبح هذه صورة إعلامها ، ومستوى إعلامييها ، ثقافيا ومهنيا ؟!.
لم يسبق لمصر أن اجتمع لها كل هذا الهوان في صعيد واحد ، وزمن واحد ، وحقبة سياسية واحدة ، لم يحدث ذلك أبدا .
أخر تعديل: 2019-04-24 | 10:47 ص